languageFrançais

دراسة: 90% من التلاميذ بين 9 و15 سنة يفتقرون إلى الحسّ البيئي

أظهرت دراسة حديثة أنّ أقلّ من 10% من التلاميذ التونسيين اكتسبوا حسًّا بيئيًا حقيقيًا ينعكس فعليًا على سلوكهم اليومي.

وبيّنت الدراسة أنّ هذا الحسّ البيئي لم يكن نتيجة التعلمات المدرسية الرسمية، بل اكتسبه هؤلاء التلاميذ أساسًا من خلال انخراطهم في نوادٍ بيئية أو منظمات ناشطة في المجال البيئي، وهو ما يُصنّف ضمن التربية اللانظامية.

دراسة الوكالة الوطنية لحماية المحيط حول التمثّلات البيئية لدى الأطفال بين 9 و15 سنة، شملت عيّنة بحث تضم 1200 تلميذ و250 متفقدًا ومدرّسًا من مختلف ولايات الجمهورية، ومن مدارس حضرية وريفية، انجزتها كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، في إطار مشروع "التربية البيئية من أجل متوسط مستدام"، وبرنامج التعاون العابر للحدود بين تونس وإيطاليا، بالتعاون مع المركز الدولي لتكوين المكوّنين والتجديد البيداغوجي التابع لوزارة التربية، خلصت إلى أن التعلمات البيئية المقدّمة داخل المدرسة، من خلال البرامج البيداغوجية الرسمية، لم تُحدث الأثر المطلوب في تغيير السلوكيات أو في تعزيز التصرف الرشيد تجاه المنظومات الطبيعية.

معرفة نظرية دون أثر سلوكي

وأكّدت الدراسة على أنّ التلاميذ يمتلكون معلومات بيئية أساسية يتلقونها في المدرسة، غير أنهم يحفظونها حفظًا بهدف اجتياز الامتحانات فقط، دون أن تتحول إلى وعي بيئي أو ممارسات يومية مسؤولة.

 

وأظهرت النتائج أنّ أغلب التلاميذ لا يدركون حقيقة الشحّ المائي في تونس، ولا يميّزون بين الماجل والبئر والسد، وهو ما يعكس غياب الدروس التطبيقية والزيارات الميدانية لهذه المنشآت. كما اعتبر ما بين 70 و80% من الأطفال أن أكبر كميات المياه تُهدر في الاستعمالات المنزلية والسياحية والصناعية، في حين تؤكد البيانات الرسمية لوزارة الفلاحة أن القطاع الفلاحي هو المستهلك الأكبر للمياه وفق الدراسة.

وكشفت الدراسة أنّ 42% من التلاميذ لا يعلمون أنّ المائدة المائية قابلة للتلوث، وأن 77.5% يجهلون مفهوم التلوث الكهرومغناطيسي الناتج عن الأجهزة الكهربائية والهواتف الذكية وشبكات الاتصال وخطوط الطاقة.

"نظافة البيت قبل نظافة المحيط"

ومن النتائج اللافتة للدراسة، صرّح 90% من الأطفال المستجوبين أنّ التونسي يهتم بنظافة منزله، لكنه لا يُولي الأهمية نفسها لنظافة المحيط الخارجي، وهو ما يعكس انفصالًا واضحًا بين السلوك الفردي الخاص والمسؤولية الجماعية تجاه الفضاء العام والبيئة وفق ما ورد في الدراسة.

غياب بعض المفاهيم المحورية في البرامج التعليمية

من جهة أخرى، أنجزت الوكالة الوطنية لحماية المحيط تقييمًا شاملًا للبرامج والمشاريع البيئية المرتبطة بالتربية والتعليم منذ سنة 1990 إلى 2023، إضافة إلى تقييم خاص بالتربية البيئية ضمن البرامج التربوية الرسمية، أفضيَا إلى تسجيل غياب شبه تام لمفاهيم أساسية في السنوات الستّ الأولى من التعليم الابتدائي، على غرار التغيّرات المناخية، والتصحر، والتنوع البيولوجي.

وأكّدت النتائج على ضرورة التوجّه نحو مراجعة عميقة لطريقة تقديم التربية البيئية داخل المدرسة، حتّى لا تظل التربية البيئية مادّة نظرية معزولة، بل تكون مقاربة أفقية تُدمج في مختلف المواد، وتعتمد على التعلمات الدائرية والتراكمية المرتبطة بالواقع المعيش للتلميذ.

"المدرسة خارج المدرسة"

وخلص الخبراء الذين شاركوا في التقييمين المذكورين الى ضرورة اعتماد مفهوم "المدرسة خارج المدرسة» كمدخل أساسي لتجديد التربية البيئية، من خلال الزيارات الميدانية، والتعلم في الطبيعة، والتربية بالبيئة ومن أجل البيئة ووسط البيئة، معتبرين ان التلميذ لا يمكن أن يطوّر حسًا بيئيًا حقيقيًا دون الاحتكاك المباشر بالمنظومات الطبيعية، كالغابات، والسواحل، والواحات، والمناطق الرطبة، والموارد المائية.

ولترجمة هذه التوجّهات على أرض الواقع، انتجت الوكالة الوطنية لحماية المحيط دليلا بيداغوجيا يضم مجموعة من المفاهيم البيئية والآليات العملية والبيداغوجية، بهدف مساعدة المربين على تطوير ممارسات تربوية مبتكرة تُحوّل المعرفة البيئية من معطيات نظرية إلى سلوك يومي واعٍ ومسؤول.

ويجمع الخبراء ونشطاء المجالات البيئية على أنّ تحدّيات البيئة والتغيّر المناخي تفرض اليوم، إحداث نقلة نوعية في المنظومة التربوية، بما يجعل من المدرسة فضاءً مفتوحًا على محيطه، ومن التلميذ، رجل مستقبل واع بدوره في حماية بيئته، وفاعل في صون مستقبل الأجيال القادمة.

الحبيب وذان